الشيخ محمد رشيد رضا
51
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذه الحال زمنا قوي فيه الدين ، ورسخ اليقين ، وكثرت الوقائع التي ظهرت لهم بها إثم الخمر وضررها ، ومنه كل ما ذكر في سبب نزول هذه الآيات أخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت في البقرة ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) شربها قوم لقوله « مَنافِعُ لِلنَّاسِ » وتركها قوم لقوله « إِثْمٌ كَبِيرٌ » منهم عثمان بن مظعون . حتى نزلت الآية التي في النساء ( 4 : 43 لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) فتركها قوم وشربها قوم يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل ، حتى نزلت الآية التي في المائدة « إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ » الآية قال عمر : أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام ؟ بعدا لك وسحقا . فتركها الناس ، ووقع في صدور أناس من الناس منها ، فجعل قوم يمر ( ؟ ) بالرواية من الخمر فتخرق فيمر بها أصحابها فيقولون : قد كنا نكرمك عن هذا المصرع . وقالوا ما حرم علينا شيء أشد من الخمر ، حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول : ان في نفسي شيئا . فيقول صاحبه : لعلك تذكر الخمر ! فيقول نعم ، فيقول ان في نفسي مثل ما في نفسك ، حتى ذكر ذلك قوم واجتمعوا فيه فقالوا : كيف نتكلم ورسول اللّه ( ص ) شاهد ( أي حاضر ) وخافوا ان ينزل فيهم ( أي قرآن ) فأتوا رسول اللّه ( ص ) وقد أعدوا له حجة فقالوا : أرأيت حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد اللّه بن جحش . أليسوا في الجنة ؟ قال « بلى » قالوا : أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر ؟ فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه ؟ فقال قد سمع اللّه ما قلتم فان شاء أجابكم » فأنزل اللّه « إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ » فقالوا انتهينا . ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا » الآية ، ولأصحاب التفسير المأثور روايات أخرى في سبب النزول وما كان من اجتهاد بعض الصحابة في آيتي البقرة والنساء . وقد بينا وجهه في تفسير آية البقرة . ومنه حديث لأبي هريرة وآثار سيأتي بعضها في سياق تفسير الآيات : * * * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ( الخمر ) كل شراب مسكر ، وهذه التسمية لغوية وشرعية . وقيل شرعية